الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
564
انوار الأصول
الأعصار السابقة ، بينما هي راجحة في زماننا ، لا أقلّ في بعض البلاد التي تكون كثرة النفوس فيها موجبة للفقر الشديد والتأخّر والمفاسد الأخلاقيّة العظيمة . فإنّ ما ورد في الترغيب على تكثير النسل والمواليد كالنبوي المعروف : « تناكحوا تكثروا فإنّي أباهي بكم الأمم يوم القيامة ولو بالسقط » « 1 » ناظرة إلى الأعصار السابقة التي كانت كثرة النفوس فيها سبباً للقدرة والسلطة ، فما كان من الجوامع الإنسانيّة أكثر نفراً كان أشدّ قدرة وأكثر قوّة كما يشهد عليه قوله تعالى : « كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَاداً » « 2 » . وقوله تعالى : « وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَاداً » « 3 » ، وقوله تعالى : « اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ » « 4 » وقوله تعالى : « فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ . . . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ » « 5 » فهذه الآيات تدلّ بظاهرها على أنّ كثرة الأولاد كانت موجبة للقدرة والشوكة كما كانت كثرة الأموال أيضاً كذلك ، ومثل النبوي المعروف قد ورد في مثل هذا الظرف من المجتمع الإنساني ، فهذه الخصيصة الاجتماعية الموجودة في عصر صدوره تكون بمنزلة قرينة لبّية قد توجب انصرافه إلى خصوص ذلك الزمان ، وهذه الدعوى وإن لم تكن ثابتة بالقطع واليقين ، ولكنّها قابلة للدقّة والتأمّل . فقد ظهر ممّا ذكر دخل الزمان والمكان في الاجتهاد والاستنباط لكن لا على نحو دخلهما في الحكم بلا واسطة بل من طريق دخلهما في الموضوع ، فإنّ الأحكام ثابتة إلى الأبد ، « وحلال محمّد صلى الله عليه وآله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة » ، والمتغيّر على مرّ الدهور والأزمان ، والمتبدّل في الأمكنة والأقطار إنّما هو الموضوعات ، وبتبعها تتغيّر الأحكام قهراً .
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 103 ص 220 ح 24 . ( 2 ) سورة التوبة : الآية 69 . ( 3 ) سورة سبأ : الآية 35 . ( 4 ) سورة الحديد : الآية 20 . ( 5 ) سورة نوح : الآية 12 .